|
الخاتمة
|
|
إن كل المجموعات البشرية ، بمختلف مذاهبها الفكرية و الاعتقادية ... تتميّز حسب انتماءاتها بعقليات و طرق تفكير و معتقدات خاصة بها ، و بالتالي ، إلى أنواع متفاوتة من الوعي ... فالوعي عند كل مجموعة بشرية ، تم قولبته ضمن صيغة معيّنة تعتمد على نظرتها الخاصة تجاه الحياة . إن عملية قولبة الوعي تشبه تماماً وضع قطعة عجين في قالب . قطعة العجين تمثّل الوعي ، و القالب يمثّل العقلية و طريقة التفكير . فشكل القالب الذي نختاره هو الذي يحدد شكل العجينة . و هذا ينطبق على الوعي . فالمنطق أو العقلية التي نختارها خلال خوض معترك الحياة هي التي تحدد طريقة إدراكنا التي تعمل بالتالي على تكوين نوعية قراراتنا ، و أفعالنا ، و خبراتنا ، و أنظمتنا الاجتماعية ، و عالمنا ، و مستقبلنا . إن نوع المنطق ، أو النموذج الذي نتبعه على المستوى الشخصي أو الاجتماعي ، هو كما نوع البرنامج الذي نزوّد به الكمبيوتر . فالمجتمع بجميع عناصره ( العائلة ، المدرسة ، مكان العمل ، بيوت العبادة ، الحكومات ، العادات و التقاليد ، التراث ، .. ) يعتمد على منطق أو نموذج واحد في العيش ( التفكير و السلوك و رؤية الأمور ) ، كما البرنامج الذي زوّد به الكمبيوتر . إذا كان هذا البرنامج صحيحاً و ينجز وظيفته بشكل جيد ، سوف لن نرى عيوب و لا أعطال في أدائه . لكن إذا كان هذا البرنامج مليء بالفجوات و الأخطاء و العيوب في نظامه ، سوف لن يعمل بشكل سليم و سوف تتشابك معطياته المعلوماتية و تخرج بقرارات و نتائج خاطئة ، و قد يتوقّف الكمبيوتر عن العمل في يوم من الأيام . معظمنا لازال مؤمناً بأن هذا النموذج المعيشي الذي يحكم المجتمعات هو النموذج الوحيد . المنطق الوحيد الذي لا بديل له . لا يوجد نموذج آخر . هذا هو العالم الذي وجدنا أنفسنا فيه ... هكذا كان عندما جئنا إلى هذه الحياة .. و هكذا وجدنا الإنسانية .. و هكذا كانت .. و سوف يبقى الوضع كما هو ، لأنه خلق ليكون كما هو .. فبالتالي ، هذه هي الحالة الطبيعية للحياة ، و لا يوجد حالة أفضل أو أسوأ .. بديلة لها . لكننا نتجاهل ( أو نجهل ) حقيقة ثابتة فرضت نفسها عبر التاريخ . هذه الحقيقة تقول : " إن نوع المنطق الذي يحكم عقولنا هو الذي يحدد نوع العالم الذي نراه " . فكل الشعوب التي عاشت على هذه الأرض ، في فترات متعاقبة ، و عصور مختلفة ، كانت ترى في زمانها أنها توصلت إلى الحقيقة ، و لا يوجد حقيقة أخرى غيرها ، و تسلّم بأنها الحقيقة المطلقة ، و تعيش و تتصرّف و تنظر إلى مظاهر الوجود على هذا الأساس . فرجال العلم الذين عاشوا في العصور الغابرة ، نظروا إلى الوجود بالاعتماد على منطقهم العلمي السائد في أيامهم ، و ظنوا أنهم يشاهدون الحقيقة بموضوعية ، و رأوا أنها الحقيقة المطلقة . و رجال العلم في بدايات عصر التنويري توصّلوا إلى مظهر جديد للوجود باعتمادهم على منطقهم الجديد و اكتشافاتهم الجديدة ، و ظنوا أنهم ينظرون إلى الحقيقة المجرّدة ، و هي الحقيقة المطلقة . أما رجال العلم الحديث ، منذ بدايات القرن الماضي ، فقد توصلوا إلى حقيقة جديدة ، بعد أن بحثوا في مظاهر الوجود على المستوى الكمي ( الجزيئي ) ، و شاهدوا عالم أخر مختلف ، يتناقض تماماً مع نظرة العلم التقليدي . فالواقع المحيط بنا لا يتغيّر ، إن المنطق الذي نعتمد عليه في النظر إلى الواقع هو الذي يتغيّر ... القالب هو الذي يتغيّر .. و بالتالي ، شكل العجينة . وعينا هو الذي يتغيّر ، و ليس الواقع المحيط و لا الحياة و مظاهرها المختلفة . إذاً ، فالكلام عن " حياة ثابتة ، لا يمكن تغييرها ، لأننا وجدناها كما هي " ، هو كلام خاطئ لا أساس له . لأن هذا الواقع ليس أمر ثابت مسلّم به ، بل يوجد أمامنا خيارات . إن عملية تغيير طريقة تفكيرنا هي التي تغير شكل الواقع ، و سوف يبدو لنا هذا الواقع حسب طريقة تفكيرنا و المنطق الذي يحكم عقولنا . يقول " توماس كون " في كتابه : " تركيبة الثورات العلمية و بنيتها ، 1962م " : " .. عندما يبدل العلماء منطقهم العلمي السائد بمنطق علمي جديد ، يجدون أنفسهم يعيشون في عالم جديد يختلف عن العالم الذي عايشوه في الفترات السابقة ... يختلف تماماً .. و يجدون أن القوانين العلمية القديمة لم تعد تستطيع العمل في هذا العالم الجديد !. و المدهش في الأمر هو أن الذي كان يعتبر مستحيلاً ، يصبح ممكناً و يتحوّل بعدها إلى أمر طبيعي و مألوف !. " . هذا يعني أننا إذا قمنا بتغيير المنطق الذي يحكمنا ، نجد أن أموراً كثيرة كانت غريبة علينا ، و حتى مستحيلة ، تصبح مألوفة و طبيعية . فالمنطق المادي الدنيوي الذي يحكمنا اليوم مثلاً ، هو الذي يحدّ من محاولة اكتشاف الإنسان لنفسه ، و قدراته ، و جوهره الحقيقي لأن هذه الطريقة في التفكير تتناقض تماماً مع المنطق الدنيوي السائد ، و الذي استولى على العقول منذ آلاف السنين . و ظهر مؤخراً منطق آخر يدعمه و يثبّت من وطأته ، و هو المنطق المادي ( العلماني ) الذي جعل الإنسان يؤمن بأنه كائن ضعيف محدود القدرات ، و أي كلام غير هذا هو مناقض تماماً للقوانين العلمية السائدة التي أصبحت مسلمات لا يمكن تجاوزها أبداً !. هذا هو السبب الذي جعلنا نبدو كما نحن ، كائنات مغفّلة ذات عقول مفرغة ، مع أن هذه ليست الحقيقة .
ما هو طبيعي و ما هو مستحيل : هل صحيح أن الحدود التي وضعت لإدراكنا و علومنا و معرفتنا و قدراتنا هي حدود مطلقة ، ثابتة ، لا يمكن تغييرها ؟. أو أنها عبارة عن حدود اصطناعية فرضها منطق معيّن و نموذج عيش معيّن قابل للتغيير ، و بالتالي يمكن أن تتغيّر مواقع تلك الحدود ؟. تقول لنا الخبرات الروحية و القدرات العقلية ( الخارقة ) التي تظهر من حين لآخر أن الحدود التي رسمتها الفلسفات المادية و قوانينها هي ليست حدود مطلقة . حتى أن ظاهرة واحدة فقط من تلك الظواهر الخارقة تشير إلى وجود منطق آخر مختلف تماماً عن المنطق المادي السائد . و تشير إلى حقيقة لازال البعض يستبعدها . هي أننا إذا تمكّنا من تحرير أنفسنا ( فكرياً ) من هذا المنطق السائد الذي وضع قدراتنا العقلية الحقيقية في قوالب ضيّقة محدودة ، سوف نكتشف أموراً كثيرة عن أنفسنا . أموراً كنا نجهلها من قبل . قدرات هائلة لا يمكن تصوّرها أو توقّع وجودها . إذا كان هذا الكلام صحيحاً ، فالمشكلة إذاً هي في المنطق الذي يحكم عقولنا و يفرض علينا نظرة خاصة للواقع ، نظرة مزوّرة غير صحيحة . و ليس العيب فينا ، و لا في الطبيعة من حولنا ، و لا في قوانينها الحقيقية التي لازالت مجهولة بالنسبة لنا . هناك الآلاف من الحالات التي كشفت عن قدرات عقلية هائلة ، موثقة في سجلات رسمية ، تشير إلى أن الإنسان هو أكثر من ما هو عليه بكثير . و رغم ذلك كله ، لازلنا جاهلين عنها لأنها غير متوافقة مع المنطق السائد الذي يحكم عقولنا ، و يفرض علينا تفكير مختلف و توجّه مختلف . حالات كثيرة حصلت بشكل عفوي غير مقصود ، كشفت عن قدرات لم يكن يألفها ، كامنة في جوهره ، ظهرت فجأة و أنقذته من مواقف و أزمات معيّنة . نأخذ مثلاً تلك الحالة المشهورة التي حصلت منذ سنوات ، مرّت بها فتاة من " لاوس " ( دولة في جنوب شرق أسيا ) . أمضت هذه الفتاة سنوات من العذاب و التقهقر ، رافقت خلالها عائلتها في الاختباء و الهروب و الاعتقال و غيرها .. في سبيل الوصول إلى الولايات المتحدة . و خاضت أقسى مراحل هذه الرحلة الطويلة عندما كانت من السابعة إلى التاسعة من عمرها . أمضت مع عائلتها شهور طويلة في مخيمات الاعتقال ، و اللاجئين ، و السجون و غيرها من مناطق اضطهاد ، حيث كان يتم الاعتداء على النساء و الأطفال من قبل الجنود و الشرطة . و خلال هذه الفترة المليئة بالخوف و الرعب و الأذى ، تمكنت من استنهاض قدرة خاصة تتجلّى بعملية خروجها من جسدها متما شاءت ذلك ! من أجل حراسة نفسها و عائلتها أثناء نومها !. و بعد سنوات ، عندما أصبحت طالبة في إحدى الجامعات ، اشتهرت بهذه القدرة العجيبة بين زملائها . فتستطيع مثلاً ، أن تعرف كل ما جرى من حولها أو في أماكن أخرى بعيدة عن جسدها أثناء نومها . هذه العملية أصبحت معروفة في الوسط العلمي بظاهرة " الخروج عن الجسد " . إننا نملك قدرات هائلة لا يمكن تصوّر مداها . لكن ظروفنا المعيشية و طريقة تفكيرنا و المنطق الذي يحكمنا يمنعنا من معرفتها أو الإلمام بها ، مما يجعلنا نجهلها و ننساها تماماً . أما السيدة الروسية " روزا كولشوفا " ، فقد ترعرعت بين والديها العاجزين عن الرؤيا . و اعتادت أن تقرأ لهما على طريقة برايل أي لمس الحروف البارزة بأصابع اليدين . لكنها تمكنت فيما بعد من استنهاض قدرة عجيبة على قراءة النصوص بواسطة اللمس . ليس النصوص ذات الحروف البارزة فقط ، بل النصوص العادية المطبوعة على ورق . فتستطيع قراءة الصحف و الجرائد العادية بواسطة إصبعها و هي مغمضة العينين . حالة أخرى تثبت ما أقصده بالضبط : في أواخر السبعينات من القرن الماضي ، كانت فتاة سويسرية تعاني من مشكلة في المدرسة . كان بصرها لا يتوقّف عند لوح الدراسة الذي أمامها ، بل يتجاوزه و يتجاوز الجدار من خلفه إلى الغرفة الأخرى ! فعانت من مشكلة في رؤية اللوح الذي في صفها مما جعلها تعجز عن الانسجام في الدرس . الحقيقة هي أن روحها التي في داخلها وجدت أموراً ممتعة أكثر في الغرفة الأخرى و فضلتها على الجو المملّ الذي يسود في صفّها ، فذهب بصرها إلى هناك !. لكن ماذا فعلوا كي يخلّصوا هذه الفتاة من تلك المشكلة ؟ أخضعوها لفترة علاج نفسي و طبي و غيرها من مراحل تأهيل تمكنها من العودة إلى حالتها الطبيعية و أصبح بإمكانها التماشي مع البيئة المحيطة كما باقي زملائها !. هل قاموا بحل مشكلة فعلاً ؟ أو أنهم قاموا بقمع إحدى القدرات العقلية التي ظهرت تلقائياً في هذه الفتاة ؟. إنها ليست مشكلة ، بل قدرة عقلية خارقة ، و تعتبر من أحدى الإشارات التي تثبت مدى قوة الإنسان ، لكنها لا تناسب نموذج العيش الحالي ، فتم قمعها و إخمادها ؟!. هذه الحالة تمثّل عملية قمع غير مقصودة ، فوالدا الفتاة قاما بمعالجتها من أجل إدخالها إلى المنظومة الاجتماعية التي تنظر لهذه الظواهر ببعض من الريبة و العدوانية . لكن هناك عمليات قمع و إخماد مقصودة . و قد تم قمع دراسات علمية كثيرة تؤدي إلى استنهاض هذه القدرات !. بالإضافة إلى نموذج العيش الذي لا يشجّع هذه الظواهر . دراسات كثيرة لا نعلم بها ، لأسباب كثيرة ، تشير إلى أساليب غير مألوفة حول عملية التعلّم و جمع المعلومات ! جميعها تثبت أن قدرات عقولنا هي أكثر من ما يمكن تصوّره ! جميع تلك الدراسات تقول : " نحن نملك أدمغة ، إذاً نحن عباقرة " !. أهم تلك الدراسات هي تلك التي تعود للبلغاري " جورجي لوزانوف " ، التي عرفنا عنها مؤخراً عن طريق كتاب بعنوان " التعليم الخارق ـ و الذاكرة الخارقة " ، ( للمؤلفتان : شيلا أوستراندر و لين شرودر ) . أهم الأسباب التي ذكرتها هذه الدراسات ، و التي تمنعنا من استخدام هذه القدرات الهائلة ، هو أنها مقموعة بسبب الإجهاد ، البرمجة السلبية ، الأذى النفسي ، الملل القاتل نتيجة التفكير الموجّه ذات الحدود الضيقة ، أفق محدود في معرفة الحقيقة . و كلها تعتبر نتائج حتمية لنموذج العيش و طريقة التفكير ، المنطق السائد الذي يحكم الشعوب .
النموذج الحقيقي : تصوّروا مثلاً ، أننا محكومين بمنطق آخر ، يصفنا بأننا كائنات حرّة ، نخترق الحواجز المكانية و الزمانية كما نشاء ، بواسطة قوة الوعي الحقيقي لأنفسنا . غير مقيّدين بالمتطلبات المادية ( كالمال ) و ملاحقة أهداف دنيوية سخيفة مثل السلطة و القوّة و الحكم و حب الظهور . تصوّروا لو أننا محكومين بمنطق يقيّمنا وفقاً لحقيقتنا . منطق يعامل الإنسان كما لو أنه كنز من كنوز الكون . و من أبرز أولوياته هي عملية تطوير هذا الإنسان و تربيته و تنشيط قدراته الحقيقية . أليس هذا أفضل من العالم الذي نعيش فيه اليوم ؟ حيث أن الإنسان فيه هو مملوك و مستعبد ، مستغلّ ، محكوم ، و يعتبر سلعة متداولة كما باقي الأشياء ، إذا كان مفيداً من الناحية المادية سوف يعيش و يصبح مقبول في المجتمع ، و إن كان غير ذلك ، فليذهب إلى الجحيم ؟!. وفقاً للتعاليم الروحية حول العالم ، خاصة الفلسفات الشرقية ، جميعها تهدف إلى نتيجة واحدة : " الإنسان الحقيقي " المتحرر من قيود نموذج العيش البشري . الفلسفة الهندوسية مثلاً ، اهتمت بحرية الإنسان لدرجة أنها صنفتها من إحدى الرغبات الأربعة الأساسية في جوهره . ( المتعة ، النجاح ، الواجب ، الحرية ) ، و القصد من الحرية هنا هو أن نكون في الصورة الكبرى للوجود ، و ليس في قوالب مصنوعة لنا من قبل جهات لا تأبه بنا أساساً . إنها حرية العيش من داخل أنفسنا ، وفق ما يمليه علينا جوهرنا الحقيقي . أليس هذا أفضل من الالتزام بقواعد اجتماعية صارمة ؟ التي تحد من حريتنا بشكل رهيب ، و نحن ندرك ذلك تماماً ، و نعاني منه باستمرار ، لكن لا يمكننا التحرر من هذه القيود بشكل ظاهر و مفضوح ، فنلجأ إلى التمثيل ، نتظاهر بأننا ملتزمون بها ، فنمارس الخداع ! و نخدع عائلتنا ، ثم مجتمعنا ، ثم سلطتنا الروحية و الفلكلورية و غيرها من جهات .
النموذج الاستبدادي : إذا كنا عاجزين عن العيش ككائنات جبارة ، حرة ، ذات امكانات هائلة ، هذا ليس لأننا نفتقر لهذه الصفات ، بل لأننا محشورين في قوالب ( اجتماعية و فكرية و ثقافية و تراثية ..) لا تناسب حجمنا الحقيقي . و نتيجة لعملية إدخالنا القسري في تلك القوالب الصغيرة ، نخرج بالشكل الذي نحن عليه اليوم ، مشوّهين ، غير متزنين عقلياً و لا روحياً و لا عاطفياً . جشعين ، غاضبين ، لا نكتفي من ما نمارسه لأننا أكثر بكثير و جوهرنا العظيم يتطلّب مساحات شاسعة و أفق أوسع حتى يمارس نشاطاته و قواه الطبيعية الهائلة . فالنموذج المعيشي السائد ( المنطق الحالي ) لا يعترف بقيمتنا الداخلية ، و يتجاهلها تماماً ، و يعاملنا كأشياء ، أشياء خاضعة ، مستعبدة ، مجبرة على الانجراف مع تيار الأنظمة الاجتماعية الموجّهة ، تعمل على انتهاك كرامتنا و قوانا الكامنة بواسطة بنيتها التنظيمية الملتوية . بعد أن خلقنا في وسط هذه الثقافات الإنسانية ذات التفكير الملتوي ، ما هو خيارنا غير الخضوع ، و من ثم الانجراف ؟. هل للأطفال خيار ؟. ليس للأطفال سوى التسليم و الامتثال للأوامر . و بالتالي يفرض عليهم التكيّف مع الوضع السائد ، بمساوئه القاتلة . نتماشى مع الأنظمة الاجتماعية مكرهين ، و نتبنى أدواراً ( مسرحيات ) مناسبة لمسايرتها . و نقوم بتضييق وعينا كي يتناسب مع برنامجنا الثقافي و الاجتماعي و الفلكلوري و جدول أعمال سلطاتنا الروحية و الاجتماعية . فنصبح كائنات غير مستقرّة ، مطيعة ، متنافسة لنيل شهادات حسن السلوك ، أدمغتنا تصبح ميّتة ، و نصبح كائنات بلا روح ، و لا حيوية ، و لا جوهر ، و هذا ما تريده أنظمتنا الاجتماعية بالضبط ! هذه هي متطلباتها ، و إن لم نمتثل لهذه المتطلبات ، سوف نعتبر خارجين عن المنظومة الاجتماعية ، مجردين من التربية و السلوك الحسن ، و هذا يتناقض تماماً مع القانون الاجتماعي الصارم ، و الذي يعتمد عليه في ضبط المجتمعات و تنظيمهم حتى يستتب الأمن و يسود الاستقرار الأخلاقي . لكن بدلاً من أن تعمل هذه المنظومة على ضبط المجتمع و تنظيمه ، نجد أن هذا النموذج التقليدي قد ولّد العنف ، و صور و مشاهد الظلم و العذاب و المعاناة التي نلتمسها كل يوم . و قد ولّد أيضاً الشعور بالاكتئاب ، و الإجهاد ، و القلق ، و عدم الثقة بالذات ، و كره ألذات مما قد تنتج الانتحار !. كل هذه العيوب القاتلة تعطينا فكرة واضحة عن مدى سوء هذا النموذج الاجتماعي و الثقافي المفروض على الشعوب . لكن لا أحد يحاول أن يرشدنا إلى نموذج جديد ، لا أحد من بين السلطات الاجتماعية المختلفة ، التي لها تأثير و نفوذ و قدرة على فرض التغيير . و بدلاً من ذلك ، نرى أن هذه السلطات تعمل على استبعاد حقيقة أن هذا النموذج السائد هو السبب الرئيسي وراء كل هذا البؤس الذي تعاني منه الشعوب و المجتمعات . إننا نشاهد أنفسنا من خلال المرايا التي وضعتها أمامنا تلك السلطات الاجتماعية ، فنرى فيها مخلوقات سطحية ، غبية ، لا روح لها و لا جوهر لا يمكنها البقاء في هذه الدنيا دون إرشاد . فنظن أن العيب هو فينا و ليس في النموذج الاجتماعي السائد . و هذه الطريقة تمنعنا من رؤية عيوب النموذج الذي يحكمنا ، و بالتالي نبتعد عن البحث عن نموذج أخر .
محكومين بالمكافئات الدنيوية : الشعوب التي يسودها نموذج دنيوي ، يحكمها بالتالي أشخاص دنيويين ، هم الحاكمون و المتحكمون . هذه معادلة ثابتة . فبالتالي ، ليس من مصلحتهم أن يعلمونا كيف نهتدي من داخل أنفسنا خلال خوض معترك الحياة . و بدلاً من ذلك ، يحكموننا بقوانين دنيوية صارمة تجعلنا نصدّق بأننا كائنات فوضوية وجب تنظيمها من الخارج و ليس من الداخل ، لأنه إذا قام كل شخص بالتصرّف على هواه ( بإرشاد من داخله ) سوف يؤدي ذلك إلى فوضى و بلبلة خطيرة . أليس هذا ما يدعونه ؟. أهم المظاهر التي يتصف بها هذا النموذج الدنيوي هو حكم الناس عن طريق المكافئة و العقاب . بنفس مبدأ " كلب بافلوف " . يسيل لعابه عند سماعه عن مكافئة مقبلة ، مأوى كلاب أوسع و أرحب ، طوق جميل حول الرقبة ، وظيفة حراسة محترمة ... هذا النموذج لا يهتم بتطوير مواهبنا و قدراتنا و قوانا الكامنة . هو يهتم فقط بجعلنا تحت السيطرة ، عن طريق سياسة المكافئات . و لكي يتم بسط هذه السيطرة ، قام بتصنيف كل شيء بدرجات ، بأثمان و أسعار دنيوية . أما حياتنا الداخلية ( الروحية ) ، فليس لها قيمة بالمقارنة مع المظهر الخارجي ( الدنيوي ) . فنحن لا نصنف بأرواحنا و جوهرنا ، بل يتم تصنيفنا حسب موقعنا بين الكائنات الأخرى ، و عرقنا ، و جنسنا ، و عمرنا ، و موقعنا الاجتماعي ، و انتسابنا ( دين أو حزب ) ، و مدخولنا المادي ، و غيرها من مظاهر تحدد مستوانا في هذه الدنيا ، و التي لا معنى لها بالمفهوم الإنساني الأصيل . لكن النموذج السائد يوليها اهتمام كبير ، و يعتبرها من الأولويات الأساسية . فكأن النموذج السائد يقول مثلاً : أن الكلاب إذا امتلكت أموال " بيل غيتس " ، سوف لن تخضع لتجارب مخبرية تذوق من خلالها الويلات و العذاب . و كأنه يقول : أن الأشخاص الذين يملكون المال ، لا يعملون في ظروف قاسية و بأجور رخيصة ، أو يضطرون إلى بيع أولادهم كالعبيد من أجل المال !. هذا هو النموذج الذي يحكمنا الآن ، و طالما حكمنا منذ عصور سحيقة ، و كل ذلك الكلام عن الأخلاق و الروح و الحكمة ، هو كلام خزعبلات ، لا تخرج عن حدود الكتب و المراجع الفلسفية الغير عملية في زمن دنيوي محكم قبضته على العقول . عندما يضع النموذج السائد ، القيم الظاهرية ( الدنيوية ) بين أولوياته ، يتم حينها تقزيم أبعاد الوعي الإنساني الأصيل و استبعاده من الساحة تماماً ، و تبتعد معه قدراتنا العقلية و الروحية الأصيلة ، و تذهب المعاني الحقيقية ، الشفقة و الرحمة ، العدالة الأصيلة ، الحكمة الأساسية .... جميع هذه العناصر ليس لها مكان في هذا النموذج الحالي الذي يحكم حياة الشعوب .. و الذي حكمها منذ بداية التاريخ .. ( إذا قرأ أحدكم قصص كليلة و دمنة و غيرها من قصص تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، يلاحظ من خلالها أن النموذج الإنساني ، خاصة النظام الاجتماعي ، لم يتغيّر أبداً . و قد نكتشف فيها مواقف و أحداث مشابهة تماماً لما يحصل اليوم ، رغم ذلك الكم الهائل من التغييرات في الاعتقاد و التفكير و المعالم الحضارية المختلفة ) . لم تكن عملية البحث عن نموذج إنساني مناسب و دراسة مدى تأثيره على الشعوب رؤية جديدة ، فهي قديمة منذ ظهور الفلسفات الأولى . لكن في هذه الأيام ، لم يعد لهذا المجال تأثير . لم يعد بإمكان الفلسفات الإنسانية أن تهزّ ضمائر الماديين و الدنيويين الذين يملؤن الأرض في هذا الزمن . لم تعد تعتبر من العناصر الأساسية في تغيير المجتمعات ، في عصر يحكمه مؤسسات مهووسة بالسيطرة و السلطة . فالفلسفة الوحيدة التي تعمل عملها في عقولهم هي تلك التي وجدها مشعوذون استراتيجيون مثل ميكافيلي و غيره . لكن أملنا الوحيد هو الالتفات إلى العيوب و التعرف إليها . فمجرّد الانتباه إلى مساوئ هذا النموذج الإنساني و عيوبه ، يعتبر أوّل خطوة في طريق التغيير . علمتنا أحداث التاريخ أن الثورات التغييرية العظمى بدأت من أفكار ، و هذه الأفكار كانت تعمل على الإشارة إلى عيوب الواقع ، أما الخطوات التالية فكانت تأتي بشكل تلقائي . لكننا هنا ، لا نتحدث عن تغيير واقع عادي ، هذه ليست ثورة اجتماعية أو سياسية أو دينية أو غيرها من عناصر تمثّل جزء صغير من هذا النموذج الإنساني الشامل . إننا نتحدث عن عملية تغيير كاملة لهذا النموذج ! لمفاهيمه و منطقه و منظوماته الاجتماعية و كل ما يدخل في تركيبته الشاملة . و هذا التغيير الشامل يتطلب جهد إنساني كبير ، و تضحيات هائلة ، خاصة في زمن يحكمه منطق مهووس بالسلطة و التحكّم و القمع .
لكن عن ماذا نتكلّم ؟ عن عملية تغيير منطق بكامله ؟.. عن تغيير فلسفة دنيوية تحكم العقول منذ ألاف السنين ؟. عن تغيير الإنسان بواسطة تغيير المنطق الذي يحكمه ؟... عن قوى إدراكية و إبداعية تتناقض مفاهيمها مع تلك التي وضعها المنطق السائد ؟.. كائنات بشرية تملك قدرات هائلة و قوى ليس لها حدود ؟..... من يصدق هذا الكلام ؟؟. طبعاً هذا هو المتوقّع من الشعوب ، المثقفين و الجهلة . فكيف لهم أن يصدقوا بهذا الكلام ؟ إنهم يجهلون أن هذه الحالة المحزنة ( عدم التصديق ) هي نتيجة مؤامرة كبرى ، تم تخطيطها و تنظيمها و تنفيذها بنجاح !. و أكبر دليل على نجاح المتآمرين هو عدم تصديق أحد بوجود واقع كهذا !. إننا لا نعلم أن هذه الحالة هي نتيجة لعملية قمع الآلاف من الدراسات التي تشير نتائجها إلى هذا الواقع القابل للحصول !. و إن حصل ، سوف تذهب مؤسسات كثيرة أدراج الرياح ، و عقليات كثيرة أدراج الرياح ، و مذاهب كثيرة أدراج الرياح .. تختفي عن الوجود تماما !.. هذا ما لا تريده تلك المؤسسات الكبرى ( اجتماعية و اقتصادية و روحية ... ) التي تتحكّم برقاب الجماهير و أرواحهم . فهي لا تريد أن تذهب أدراج الرياح ! و لا أن تختفي عن الوجود !.. لقد تعلموا دروساً كثيرة من الذين اختفوا قبلهم على مر التاريخ و ذهبوا أدراج الرياح .. تعلموا مثلاً من أصحاب مصانع العربات التي تجرّها الخيول ، و مصانع السياط التي تضرب بها البهائم ، و مصانع أخرى ازدهرت في القرون السابقة . هذه المصانع ذهبت دون عودة ، بعد أن ظهرت صناعة السيارات !. شاهد أصحاب تلك الصناعة المنقرضة هذه الصناعة الجديدة و هي تنشأ أمام أعينهم ، راقبوا نموها دون فعل شيء إزاء ذلك . فكبرت و كبرت إلى أن جاء يوم و قضت عليهم و على سلالاتهم الاقتصادية إلى الأبد !. لو أنهم تصرفوا في وقت من الأوقات ، و اتخذوا الإجراءات اللازمة ( مؤامرات ، اغتيالات ، إخفاء حقائق ، قمع دراسات ... ) لكانوا تجنبوا هذا المصير البائس . و لهذا السبب ، نرى كيف أن شركات النفط العملاقة ، تقوم بعملها على أكمل وجه ، تعمل على قمع الاختراعات و الدراسات التي يمكن لها أن تشكل خطراً عليها . إنهم مستعدين لفعل أي شيء .. أي شيء .. حتى يبقون على راس الاقتصاد العالمي المتحكّم بالعالم . حتى لو تطلّب ذلك إشعال حرب عالمية !. أما المؤسسات الروحية المنظمة ، و التي لم تعد مفاهيمها تتناسب مع الواقع العصري ، و الذي أثبت فشلها في إرشاد الشعوب و تهذيبها روحياً و تحضيرها للعيش في العالم الآخر ، ( لكنها تعتبر اليوم من أغنى المؤسسات المالية و أكثرها نفوذاً في العالم ! هذا الذي جعلها قائمة حتى الآن ) ، فهي أيضاً لا تقبل بأي تغيير ! خاصة إذا كان ذلك يخص الإنسان و طريقة تفكيره !.
كلما كنا أقوى روحياً و معنوياً ، كلما شعرت المؤسسات المتحكمة بالتهديد و الخطر !. ما هو الخطر الذي تشكله ظهور أفكار و فلسفات جديدة تساعدنا على معرفة حقيقتنا ... عن سبب وجودنا في هذه الحياة ؟ .. من نحن ؟ .. لماذا نحن هنا .. ؟ .. ما هو الوجود ؟ .. ظهرت أفكار كثيرة تناولت هذه المواضيع بالاعتماد على اكتشافات علمية حديثة تناسب طريقة تفكير الإنسان العصري ، لكنها قمعت و أخفيت و سحقت تماماً ! و تعرّض أصحابها لاتهامات كثيرة مثل الهرطقة و الكفر و الإلحاد .. !. إذا كان الهدف من نموذجنا الثقافي و الفكري هو تذليل الإنسان و تجريده من قدراته الكامنة ، حتى يصبح خادم مطيع للسلطات الاجتماعية القائمة ، نستنتج بذلك أنه لا يوجد تهديد اكبر لهذه السلطات الاجتماعية من المناداة بالتغيير الكامل لمفاهيمنا السائدة عن أنفسنا و عن الحياة !. لكنهم يعملون على إقناعنا بأننا سنبقى مقبولين اجتماعياً ، طالما بقينا جاهلين عن أنفسنا ، و جاهلين عن حقيقة أننا أكثر من ما نحن عليه بكثير ، و جئنا إلى هذه الدنيا لعمل الكثير ...
القصد من علم النفس التقليدي أما منهج علم النفس و طريقة عمل العلاج النفسي ، فليس هدفه هو تنشيط قوى الإنسان الحقيقية . بل من أجل جعل هذا الإنسان يتناسب مع منظومته الاجتماعية ، مهما كانت هذه المنظومة بائسة و منحرفة ، مهما كانت فاسدة و خاطئة ، فالمشكلة بالنسبة لعلم النفس هي ليست في البنية الملتوية للمجتمع ، بل هي دائماً في الإنسان !. اللوم دائماً يقع على الإنسان . أي ، أن تتناسب عقلية الإنسان مع منظومته الاجتماعية هي المقياس للصحة العقلية !. وظيفة الطبيب النفسي هي بكل بساطة " تنظيف النفايات المتراكمة الناتجة من تأثير النظام الاجتماعي السلبي على حياتنا " . يفعل ذلك عن طريق إقناعنا بأن هذه النفايات العقلية هي من صنع أيدينا ، إنها نتيجة فشلنا في التوافق مع المجتمع ، إنها مسئوليتنا أولاً و أخيراً !. و إذا لم نتماشى ، و نتكيّف ، و نتناسب مع هذا النظام الاجتماعي ، فالخطأ هو منا و ليس منه !. قد نتحمّل أحياناً نسبة معيّنة من المسئولية ، لكن ، ألا يستحقّ هذا النظام الاجتماعي قسطاً من الانتقاد و التدقيق في طريقة عمله ؟. و لحسن الحظ ، قام بعض الأطباء النفسيين بخرق القواعد المفروضة على مهنتهم ، و راحوا يجازفون مع مرضاهم بالخوض في مجالات محرّمة علمياً من اجل إيجاد الشفاء المناسب لهم . لكن هذا العمل الأخلاقي النبيل لا يناسب شركات التأمين الصحي ، مما جعل أبحاث هؤلاء تفتقر للتمويل . فالمؤسسات المتحكّمة التقليدية تدفع لشركات التأمين من أجل تمويل وسائل العلاج التي تعيد الشخص إلى حالته الطبيعية ، أي حالة العبد المخلص الذي يخدم تلك المؤسسات !. فهي لا تأبه بقدراته العقلية الأخرى التي لا تخدم مصالحها . فالطب التقليدي الرسمي ( بكل اختصاصاته ) ، قد تم تصميمه خصيصاً لهذا الغرض و ليس لاكتشاف قدرات الإنسان و حقيقته !.
|
|
الأنظمة المدرسية المضادة للقدرات الإنسانية : حتى أن الأنظمة المدرسية و التعليمية غير ملتزمة و لا حتى مهتمة بتطوير قدراتنا و مواهبنا الحقيقية . فالمدارس هي مجرّد ذراع للنظام الاجتماعي القائم ، مهما كان نوعها ، دينية ، حكومية ، اقتصادية ... فتبعاً للنموذج السائد الذي تتبعه الشعوب ، نرى أن تعليم الإنسان و تعريفه على حقيقة ما هو عليه لا يتناسب إطلاقاً مع النظام الهرمي القائم بين مختلف البنى الاجتماعية ، الاقتصادية ، الدينية ، الحكومية ، الأكاديمية ... جميع هذه السلطات نفضّل أن تسيّر مصالحها بطريقة سهلة و ميسّرة ، و هذا بالتالي يتطلّب جماهير مفرغة العقول ، غير ميالة للتمرّد و المناداة بأفكار غريبة عن المنطق السائد الذي يخدم مصالحهم على أكمل وجه . منذ بدايات القرن الماضي ، و نتيجة للنهضة الصناعية الهائلة ، بدأت المصالح الاقتصادية تتدخّل في أنظمة المدارس و المناهج التعليمية . و قد تجسّد هذا التوجّه بوضوح مثلاً ، عندما أنشأ هنري فورد ( صانع سيارات فورد ) مدارس خاصة للتأقلم مع نظام المصانع و المعامل التي سادت في هذا العصر . لاحظ فورد أن العباقرة و المبدعين و البديهيين لا يتناسبون مع نظام هذه المصانع الصارم كما نظام الجيش . لأنهم كما قال ، غير نافعين في نظام المعامل العصرية !. فأسس مدرسة خاصة ( سماها المدارس العصرية ) تعمل على تنشئة أجيال تستطيع مواكبة هذا العصر الصناعي الحديث . و وجب على المتخرجين من هذه المدارس أن يكونوا دقيقين ، مطيعين للأوامر ، يتحملون ساعات و أيام و شهور و سنوات من الأعمال و المهمات التكرارية المملّة ، دون تذمّر ، دون كلام أثناء العمل ، دون راحة ، يحافظون على جدول العمل مهما كانت التكاليف !. .... تصوّر يا سيّدي ... كيف سيكون عقلك في هذا العصر الصناعي الذي بدأنا نشعر بدخوله إلى حياتنا اليومية ... و يتسرّب إلى طريقة تفكيرنا . فبهذه الطريقة ، تصبح أرواحنا أيضاً ضحية و ليس فقط عقولنا . فالنموذج الذي يحكم هذا العصر يقول : إذا كنا من النوع الذي يسمع لأحكامه الشخصية ( و ليس لأحكام غيره ) ، و يلتزم بقيمه ، و يتمتع بثقة كبيرة بنفسه ، سوف لن نتناسب مع هذا النظام الصناعي العسكري الذي بدأ رجال المال فرضه على الطبقات العاملة . أما الإنسان الذي يعتبر ناجح في هذا العصر ، فوجب عليه أن يتصف بمواصفات مثل : عدم الثقة بالذات ، عدم الاستقرار نفسياً و حتى عقلياً ، مما يجعله يتحمّل بيئة العمل الفاسدة و المهينة . فإما أن تتكيّف لتصبح الرجل المناسب للحياة العصرية ، أو تذهب إلى الجحيم !.
و جب علينا أن نعمل بظروف قاسية ضمن أنظمة استعبادية حتى نتمكن من البقاء .
|
|
|
|
||||
|
|
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
|
|
||||
|
|
||||
|
|
|
|||
|
|
||
|
و إن لم نكن محظوظين في إيجاد عمل ، هذا هو مصيرنا :
|
![]()
|
|
|
التشرّد |
البطالة و العوز |
|
||
![]()
|
|
|||
|
المجاعة |
الفقر المطقع |
|
|
![]()
|
![]() |
|
مساكن حقيرة |
أطفال متشردون |
|
|
![]()
|
![]() |
|
التشرد |
مساكن غير صحية |
|
|
|
|
|||
|
الفقر و التشرّد و الجوع و الهوان |
||||
|
لكن لحسن حظ تلك المؤسسات و الأنظمة الاجتماعية المتسلّطة ، فإن المدارس الحالية تعمل على إنتاج كميات هائلة من النوعية المناسبة لها . فهي تخرّج أشخاص مهووسين ، يتملّكهم الخوف من أن يكونوا مخطئين ، و الخوف من عدم الحصول على العلامات المناسبة ( أكّدت دراسات نفسية أن 90 بالمئة من المتخرّجين من المدارس يعانون من هذه الحالة النفسية ) . فهؤلاء المتخرّجون لا زالوا مقتنعون بأنهم عاجزين عن وصول القمّة في أعمالهم ، لأن جميع إنجازاتهم ارتبطت بالعلامات . تعمل المدارس على زرع فكرة معروفة في جميع النظم الاجتماعية الأخرى ، هذه الفكرة تقول : .. أنت لست جيداً بما يكفي ، أنت لست بالمستوى المطلوب . لكن إذا قمت بتنفيذ ما يطلب منك دون نقاش ، سوف تتحسّن حالتك و سوف يتم مكافئتك ... هذه الفكرة زرعت عميقاً في عقول 90 بالمئة من التلاميذ المتخرجين من المدارس المختلفة . و هم مستعدون الآن للخضوع تماماً للأنظمة الاجتماعية الأخرى ، الدينية ، و الصناعية ، و الحكومية ، و غيرها من أنظمة هرمية تتطلّب هذا النوع من البشر !. فجميع هذه المدارس ، مهما أظهرت من نظم و مناهج تعليم عصرية ، لا تتوافق مع ما نعرفه عن عقل الإنسان و طريقة عمله ، و ما عرفناه منذ عقود من خلال مراجع كثيرة لازالت محرّمة على المؤسسات التعليمية . جميع الأبحاث التي أجريت حول طريقة التعليم و التعلّم ، أظهرت ما يشير إلى أننا نستوعب المعلومات أكثر عندما نكون في حالة راحة و استرخاء فكري تام . لكن المدارس لازالت تزيد من مجهود الطلاب من خلال زرع الخوف من الرسوب و الفشل . أشارت الأبحاث إلى أن الأطفال يستوعبون أكثر و أسهل من خلال التعليم التعاوني ( التعاون على حل مسالة مثلاً ) . لكن المدارس لازالت تفرض نموذج المنافسة و المزاحمة على تحصيل العلامات . أشارت الأبحاث إلى أن إيمان الأطفال بقدراتهم الاستيعابية تساعدهم على استيعاب المعلومات بشكل أيسر و أسهل . فإذا زرعت بداخلهم الإيمان بأنهم أذكياء ، فسوف يصبحون أذكياء ! و إذا أوحيت لهم بعكس ذلك ، فسوف تتحجّر أدمغتهم و يرفضون استيعاب المعلومات ( بشكل لا إرادي ) ، و هذا ما تعمله المدارس الحالية بالذات . فهي تتبع عملية منظّمة لإحباط معنويات الأطفال و تسلب ثقتهم بذاتهم . و بهذه الأساليب ، و أساليب كثيرة غيرها ، تعمل الأنظمة المدرسية على فصل أرواحنا من عقولنا . و يتخرّج من هذا النظام المدرسي طلاب فقدوا متعة التعليم منذ زمن بعيد . لكنهم مهووسين بفكرة أنه وجب عليهم أن يكونوا على صواب طوال الوقت .. جاهزين لمواجهة العالم المجهول الذي ينتظرهم في الخارج .
|
|
|||
|
|
|
![]() |
|
|
|
وجب على الطفل أن يمر بهذه المرحلة قبل أن يستحق كلمة "شـــاطر" و يشعر بأنه مقبول في محيطه |
![]() |
|
|
|
|
![]() |
|
|
و إن لم يتمكن الطفل من التماشي مع هذا النظام المفروض سيكون هذا مصيره !!؟ هذه الكلمة ترعب الطفل حتى الموت ! |
![]() |
|
|
أما المعلمون الأصيلون الذين يعلمونا الحقيقة ، و لا شيء سوى الحقيقة ، فقد انقرضوا منذ زمن بعيد .. |
![]() |
|
|
و حلّ مكانهم معلّمون مزوّرون ، يوجهون الرعيّة كما تشاء السلطات الدنيوية المختلفة . |
|
|
|
التربية المضادة للقدرات الإنسانية : إذا نظرنا إلى طريقة تربية الأطفال و محاولة إدخالهم عنوة إلى المنظومة الاجتماعية و الفلكلورية ، نعرف حينها كيف يتم كبت القدرات الإنسانية الكامنة و قمعها في أرضها . فمعاقبة الطفل بقسوة ، من اجل إخضاعه للمنظومة الاجتماعية ، تعتبر تقليد اجتماعي قديم منذ بزوغ الحضارات الإنسانية الأولى . توارثتها المجتمعات من جيل إلى جيل . و إذا نظرنا إلى هذه العملية ( التي هي بنظرنا ضرورة اجتماعية ) ، نلاحظ أنه لا علاقة لها بتطوير الطفل و تنشئته ، لا من الناحية العاطفية و لا البديهية ، و لا النفسية ، و لا الفكرية ، و لا العقلية . و القصد الوحيد من هذه الطريقة هو إخضاعه و السيطرة عليه منذ البداية ، بكل الوسائل الممكنة ، و لو كان ذلك عن طريق العقاب ، التذليل ، التهديد ، الضرب ، التصنيف ، و غيرها من وسائل تعمل على تحطيم إرادته و استقلاليته . أما المبرر الذي يجيز هذا العمل الاستبدادي المنظّم ، فهو أن الأطفال الذين نشؤا بغير هذه الطريقة لا يناسبون المنظومة الاجتماعية عندما يبلغون . فيواجهون حينها صعوبات كثيرة . إذا ً ، هذه الوسيلة المتبعة في تربيتنا و تنشئتنا ( و المبررة في جميع المجتمعان و الثقافات المختلفة ) ، و التي تهدف إلى نسيان من نحن ، و ما نحن عليه ، لنصبح ما يريده الآخرين و ما يتوقعوه منا ، تعتبر عنصر أساسي من عناصر البقاء ! لأننا لا نستطيع العيش دون مجتمعاتنا و نظرتها الإيجابية تجاهنا . أما قدراتنا الحقيقية الكامنة ، فهي خارجة عن الموضوع . هي قضية جانبية مقارنة مع عملية التماشي مع المنظومة الاجتماعية التي هي الأهم . و بما أننا نعتقد بأن المنظومة الاجتماعية تهدف إلى مصلحتنا ، فبالتالي ، وجب علينا إطاعتها و التماشي معها و مسايرتها ، و لو على حساب أرواحنا . أما من ناحية إنماء قدراتنا الكامنة ، فسوف لن نجد أي فرصة لظهورها في هذا النموذج الاجتماعي السائد بين جميع شعوب الأرض . فالحكومات في جميع دول العالم ، هي مشغولة بمواضيع استراتيجية و سياسية و بنيوية مثل : من هو المسيطر ، من له سلطة على من ، من يملك الميزانية الأكبر ، أين يوجد المال و الربح الاقتصادي ، من ينجح في الانتخابات ، من هو الرجل المناسب لمنصب معيّن ، لفلفة فضائح متعلقة بالفساد ، فضائح سياسية ، مالية ، أخلاقية ... أما عملية تطوير قدرات مواطنيها العقلية ، فهي ليست مدرجة بين الأوليات ، أو حتى أنها ليست في برنامج عملها إطلاقاً !. كيف يزيدون من قدرات شعوبهم العقلية في الوقت الذي يفضلون فيه أن يحكموا جماهير غبية ؟!. أليس هذا أفضل و أسهل على الحكومات ؟!. لماذا وجع الرأس ؟. و بالقدر ما نميل إلى التعاليم الروحية الأصيلة و نتوق لها ، نجد بالمقابل أنه لا يمكن أن نجد ضالتنا في رحاب المؤسسات الدينية الرسمية . فهذه المؤسسات لا تهتم بتنشئة قدراتنا العقلية بقدر ما تهتم بإلزامنا بتعاليم و مسلمات محددة لا يمكن الخروج عنها . و من اهتماماتها الأخرى هو توسيع دائرة عملها ، جمع المال في سبيل التوسّع ، تكريس جهدها و توجهاتها في سبيل مواجهة المذاهب الأخرى ، و منافسة الأديان الأخرى ... أما سياستها تجاه الرعية ، فهي تعمل على استخدام عاملي الخوف و الإثم و الخطيئة ، في سبيل المحافظة على ولائهم و التزامهم التام . أما المؤسسات المالية و الاقتصادية و الصناعية المختلفة ، فهي أيضاً لا يناسبها تطوير قدرات الإنسان العقلية . لكن إذا اتخذت هذا التوجّه ، يكون فقط من أجل جعل الإنسان أكثر إنتاجاً ! فتساعده مثلاً على إزالة الجهد القاتل الذي ينتج عن نظامها الاستعبادي ، فتموّل بعض دورات اليوغا ، أو تشجّع الموظفين على القيام ببعض الجلسات التأملية في سبيل تصفية الذهن و تنشيطه . إذا قمنا بعملية مسح شاملة لأنظمتنا الاجتماعية المختلفة ، سوف لن نرى أي سلطة أو جهة لها نفوذ في هذا النموذج الدنيوي ، تحاول استكشاف قدراتنا الحقيقية في داخلنا و بالتالي تساعدنا على استنهاضها و من ثم الاستفادة منها . أي أن نمارس حقيقتنا ، نعود لطبيعتنا ، أن نصبح الإنسان الحقيقي .. لكن كيف تعمل هذه السلطات في هذا التوجّه المنافي لمصالحها ؟ فنظامها الهرمي الدنيوي لا يتوافق مع هذا الواقع الإنساني الغريب عنه . و لهذا السبب ، فتعتبر القوى الإنسانية الكامنة هي بمثابة عائق ، مظهر مزعج من مظاهر الكائن البشري ، يعمل على تدمير النظام الاجتماعي القائم . فألصقوا هذا المجال بأكمله بمجال المشعوذين و الدجالين و الأساطير و الماورائيات و السحرة الأشرار و الشيطان و مفاهيم أخرى تتخذ أوصاف و مظاهر قبيحة تجعل الإنسان ينفر منها . إن جهلنا التام عن هذا المجال ، و بالتالي استبعاد وجوده من الأساس ، هو ليس بسبب عدم واقعيته أو مصداقيته . بل السبب يعود إلى جهات كثيرة عملت على استئصاله من الفكر البشري و طريقة حياته منذ أزمنة سحيقة . سلطات كثيرة تعاقبت على حكم الشعوب منذ ما قبل التاريخ ، دينية ، سياسية ، علمية . لأنها كانت منافية تماماً لمصالح أنظمتها الدنيوية الهرمية . ما ذكرته سابقاً هو ليس انتقاد موجه إلى الجهات المذكورة ، فقط من أجل الانتقاد . إنه عبارة عن وصف لواقع عالمنا الأليم الذي نحن نعيشه كشعوب و مجتمعات . شعوب وقعت في فخ خطير ، فخ المسلمات التي فرضت عليها ، و علقت فيه و لازالت تتخبط في شباكه منذ عصور . مسلمات و فرائض كثيرة قامت بتقسيم الشعوب إلى مذاهب و أحزاب جاهزة للقتال في ما بينها ، و ليس العمل على تنشئة الإنسان و تطويره روحياً و فكرياً و بالتالي عقلياً . فالعيب هو ليس فينا كبشر ، إننا لسنا ضعفاء ، بل العيب هو في نظمنا و مسالكنا الفكرية التي أعاقت نمونا الروحي الحقيقي ، و قامت بتوجيهنا لخدمة قلة قليلة من الناس و ليس البشرية جمعاء . بالإظافة إلى العلم المنهجي السائد ، الدين العلماني الجديد الذي عمل كهنته الأكاديميين على إعاقة نمو إدراكنا الشمولي لمظاهر الوجود المختلفة . و قاموا بتوجيهنا حسب مصالح القائمين على حكم الشعوب . رجال الظلام ، المتحكمين بمجريات العالم و أحداثه ، المؤسسات الهرمية الدنيوية المختلفة التي هي المسئولة عن مصائر الشعوب و جميع مظاهر الحياة على هذه المعمورة . لقد نجح هؤلاء الكهنة العلمانيين في إعاقة خروج الحقيقة بصورتها الكاملة ، و منعوا ظهور نتائج أبحاث تابعة لألمع العقول بسبب تناقضها مع مصالحهم التافهة ، أطبقوا على هذه الأبحاث برقابة شديدة و تعاملوا معها بوحشية مطلقة في معظم الأحيان . فقاموا بالكذب ، و الغش ، و الخداع ، و التزوير ، و استخدموا الإعلان المظلّل ، و أساليب خبيثة أخرى ، من اجل تشويه سمعة العلماء الخارجين عن منهجهم العلمي الملتوي ، فتم تدمير الكثير من الشخصيات العلمية العظيمة مهنياً و اجتماعياً ، و تم قمع علومهم الجديدة تماماً . و عملوا على منع ظهور تلك العلوم المقموعة في الجامعات و الأكاديميات و وسائل الإعلام المختلفة . كل ذلك لأنهم وجدوا لأنفسهم حلفاء أقوياء التقت مصالحهم ببعضها فساعدوهم على قمع تلك الأفكار الجديدة . جهات كثير لها مصلحة ( مالية ، روحية ، سياسية ) ، فدفعت لهم الأموال الطائلة ، و دعمتهم إعلامياً و أكاديمياً و اجتماعياً .... فأصبحوا المتحكمين الوحيدين بجميع المؤسسات العلمية العالمية و أحكموا قبضتهم الرقابية على جميع المسالك العلمية المختلفة . فقاموا بإرساء منطق علماني مادي دنيوي بعيد تماماً عن الحقيقة . رغم مظهره البراق الذي يوحي لنا بتقدم تكنولوجي هائل يجعلنا نشعر بأننا أكثر أماناً و رقياً .. لكن تذكروا أن حياتنا على هذه الأرض هي قصيرة ، و عندما نغادرها إلى العالم الأخر ، لا نستطيع أخذ هذه التكنولوجيا الدنيوية معنا . و المشكلة الأعظم هي أننا سندخل العالم الآخر بعقول دنيوية مفرغة ، لا تفقه شيئاً عن الحقيقة الأصيلة . لأننا أصبحنا عبارة عن كائنات غبية قامت بتشرّب أفكار ملتوية مناقضة تماماً مع ما سنواجهه عندما ندخل في رحاب الحقيقة المطلقة . إن العمل على تنشئة و استنهاض قوانا الحقيقية ، و التعرّف على حقيقة ما نحن عليه و ما هو الوجود هو ضرورة أساسية و حاسمة في سبيل تقدّم حضارتنا الإنسانية و تطويرها . من أجل مساعدتنا على مواجهة التحديات المصيرية التي نواجهها من حين لآخر . التكنولوجيا وحدها لا تستطيع القيام بهذا العمل . لا تستطيع إنقاذنا . رغم هذا التقدّم التكنولوجي الهائل ، لا زلنا نواجه تحديات بيئية و اجتماعية خطيرة لا زالت قائمة و تزداد يوماً بعد يوم ( تلوث بيئي و أخلاقي و صحّي قاتل ) و هذا يتطلّب العلاج السريع . ما ينقصنا هو القليل من الحكمة و البصيرة و الصدق ... الإحساس بالمعنى الحقيقي ، العدالة ، التكامل ، النية الحسنة في إدارة شؤون البشر بشكل سليم . هذه ليست مواضيع و قضايا تكنولوجية ، بل مواضيع لها علاقة بالمنطق و الوجدان و طريقة التفكير . فالحكمة و البصيرة هما بالذات ، العناصر التي تم إخمادها في جوهر الإنسان ، بعد أن حكمه منطق دنيوي متسلّط ، منطق سيطرة و استبداد ، حكم عقول البشر منذ ظهور الحضارات الأولى .. و لا يزال .
علاء الحلبي
|
|
| الفهرس الرئيسي |
|